الرئيسيةمن نحنخدماتناالاضطراباتالمقالاتالفريقتواصل معنااحجز موعدك

ظاهرة الإدمان الرقمي... حين تتحول وسائل التواصل إلى خطر على الصحة النفسية والاجتماعية

بقلم: عبير بنمبارك : أخصائية نفسية اكلينيكية بمركز السنابل التخصصي للصحة النفسية .

في زمنٍ أصبحت فيه الهواتف الذكية جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، لم يعد غريبًا أن نجد الكثيرين يقضون ساعات طويلة على منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، واتساب، وتيك توك، حتى بات الحديث عن "الإدمان الرقمي" أكثر من مجرّد مبالغة. إنه حسب عدة دراسات علمية و نماذج نظرية اضطراب سلوكي له آثار نفسية واجتماعية وجسدية متصاعدة.

الإدمان الرقمي: ظاهرة متنامية وتعريف علمي بحسب تعريفات علمية متعددة

يُعد الإدمان الرقمي نوعًا من اضطرابات السيطرة على الاندفاع، حيث يُظهر الفرد استخدامًا قهريًا ومفرطًا للتقنيات الرقمية، خاصة وسائل التواصل الاجتماعي. وتتعدد مظاهره بين فقدان السيطرة، الانسحاب، التحمل، السلوكيات الهروبية، والانشغال الدائم بالمحتوى الرقمي. الدراسات تشير إلى أن المستخدم المدمن غالبًا ما يشعر بالضيق والقلق عند الانقطاع القسري، ويعاني من تدهور العلاقات الاجتماعية، وتراجع الأداء المهني والأكاديمي، فضلًا عن تأثيره المباشر على الصحة النفسية مثل الاكتئاب والقلق والتوتر.

أسباب معقّدة وراء الاستخدام القهري

تتعدد العوامل المسببة لهذا النوع من الإدمان، فهناك أسباب نفسية، اجتماعية، معرفية، وأخرى بيولوجية وتقنية. الباحثة "يونغ" أشارت منذ عام 1996 إلى أن التطبيقات التفاعلية على الإنترنت، والتي تتيح للمستخدمين بناء علاقات افتراضية، هي الأكثر تسببًا للإدمان، خاصة لدى من يعانون من صعوبات في التفاعل الاجتماعي الواقعي. كذلك يذهب الباحث "ديفيس" إلى أن إدمان الإنترنت يرتبط بأنماط فكرية غير متكيفة، منها انخفاض تقدير الذات والتفكير الاجتراري، مما يجعل الشخص يبحث عن تفاعلات افتراضية تُرضيه وتخفي ضعفه الداخلي. وتتفاقم هذه الحالة لدى من يعانون من الوحدة أو التفكك الأسري، والذين يجدون في العالم الافتراضي ما يفتقدونه في الواقع من قبول وتقدير وحرية.

منصات التواصل الاجتماعي نفسها تُحفّز السلوك الإدماني. الخوارزميات الذكية، خاصية التمرير اللانهائي، الإشعارات المتكررة، والتخصيص الفوري للمحتوى، كلها عناصر تخلق "حلقة جذب" تجعل المستخدم يعود دون توقف. إضافة إلى ذلك، فإن إفراز الدوبامين هرمون السعادة عند تلقي الإعجابات أو التفاعل، يجعل الدماغ يربط هذه الأفعال بالمتعة، ما يعزز الإدمان بشكل لا واعٍ.

تأثيرات نفسية واجتماعية عميقة

الإدمان على وسائل التواصل له وجه مظلم لا يُرى دائمًا: القلق، اضطرابات المزاج، ضعف الانتماء الاجتماعي، الشعور بالوحدة رغم التواصل المستمر. المستخدمون ينجذبون لمحتوى يعكس الجمال المثالي والنجاح السريع، ما يعزز المقارنة المرضية ويولّد شعورًا بالنقص، خصوصًا لدى المراهقين. وقد أشارت دراسات إلى أن هذه المقارنات قد تؤدي إلى اضطرابات في صورة الجسم، مثل فقدان الشهية أو الشره المرضي، إضافة إلى الاكتئاب، وقلة تقدير الذات، وتدهور العلاقات الأسرية والاجتماعية.

التأثير الأكاديمي والمهني: بين الواقع والوهم

أظهرت أبحاث أن الإدمان الرقمي يؤثر سلبًا على الأداء الدراسي والمِهني. طلاب يقضون ساعات على منصات التواصل يعانون من صعوبات في التركيز والتحصيل، وموظفون يعانون من تشتت مستمر وإرهاق ذهني، ما يقلل الإنتاجية ويؤثر على جودة الحياة. في ذات السياق، توجهات الشباب لاختيار التخصصات الأكاديمية والمهنية يمكن أن تتأثر أيضًا بالمحتوى الرائج على وسائل التواصل، ما يدفع البعض لاختيار مجالات لا تناسب قدراتهم الحقيقية، ثم يعانون من الإحباط أو الفشل.

ما العمل؟ خطوات عملية نحو التوازن

توصي الدراسات النفسية بعدد من الإجراءات للتخفيف من آثار الإدمان الرقمي، منها

  • ممارسة السلوك المعاكس: كسر الروتين المرتبط بالاستخدام مثل تأخير الدخول إلى المنصات.
  • تحديد أوقات الاستخدام: من خلال مؤقتات أو تطبيقات مراقبة الشاشة .
  • إيقاف الإشعارات: تقليل التنبيهات يقلل التشتت.
  • الانخراط في أنشطة واقعية: مثل الرياضة، القراءة، واللقاءات العائلية.
  • البطاقات التذكيرية: تذكّر الفرد بسلبيات الإدمان وتساعده في تنظيم أولوياته.
  • طلب الدعم النفسي: اللجوء إلى مختص نفسي عند فقدان السيطرة أو ظهور آثار نفسية واجتماعية.

نحو وعي رقمي متوازن

لا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي تُعد من أعظم إنجازات العصر الرقمي، لكن الإفراط في استخدامها قد يحوّلها إلى أداة استنزاف نفسي وجسدي. وهنا تبرز الحاجة إلى التوازن، إلى وعي فردي ومجتمعي يقودنا إلى استخدام ذكي وهادف لهذه الوسائل. لذلك، من الضروري أن تتضافر جهود الأفراد، العائلات، المؤسسات التعليمية، والجهات الحكومية، في تقديم برامج توعوية وسياسات فعالة، تُسهم في تقليص تأثير الإدمان الرقمي على جودة حياة الأفراد.

وأخيرًا، فلنتذكّر: العالم الرقمي ليس بديلًا عن الحياة الحقيقية... بل هو مجرد أداة يجب أن تُستخدم، لا أن تُسيطر علينا.

نحن هنا لنصغي إليك

احجز موعدك+974 7008 3700